الحسن الهمداني ( ابن الحائك )
30
الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير
سجل حافل بأنساب بيت من البيوتات الرفيعة ، أو أسرة من الأسر الكريمة في شكل شجرة عمودها الفقري اسم الأعظم من الأجداد ، وهو كأصل الشجرة ثم تتفرع منها في الفروع كالغصون للشجرة ، وكل من يجيء من الأعقاب يلحق اسمه الفروع وهلم جرّا ، ويحرصون على الاحتفاظ بهذه الشجرة ، والسلف يوصي الخلف بالتداول والمعرفة ، وينقل من بيت لآخر أعلى وأشرف ممن عداه من البيت الذي منه ، وبهذه الصفة يستطيع أن يخرج نسبه ويدرجه إلى الجد الأعلا بسهولة ، وذلك مثلا « كسبائك الذهب في أنساب العرب » وهو مطبوع متداول وفي متناول يد كل قارىء . وبما أن حفظ الأنساب ليس خاصا بالعرب ، وأنه علم مشترك بين سائر الأمم إلا أن العرب صار لهم حفظ الأنساب صفة لازمة امتازوا بها وتغلبت على مشاعرهم وإحساساتهم ، لهذا قال الأمير شكيب أرسلان في تعليقه على تاريخ ابن خلدون . « وليس هذا العلم منفردا في العرب كما يتوهم بعضهم ويظنون أن سائر الأمم قليلة الاحتفال به ، فإن الأمة الصينية الكبرى هي أشد الأمم قياما على حفظ الأنساب ، حتى إنهم يكتبون أسماء الآباء والجدود في هياكلهم ، فيعرف الواحد أنساب أصوله إلى ألف سنة فأكثر ، وكذلك الإفرنج كانت لهم عناية تامة بالأنساب في القرون الوسطى والأخيرة ، وكانت لهم دوائر خاصة لأجل تقييدها وضبطها ووصل آخرها بأوّلها » . ثم ساق كلاما طويلا فارجع إليه . وأول من دوّن علم الأنساب وكتب فيه وأفرده بالتأليف فيما أعلم ، هو هشام بن محمد الكلبي ، ثم تتابع الناس في ذلك فيما بين مكثر ومقل ، وأكثروا فيه الغوص والتفاصيل . وقد ذكروا لحفظ النسب فوائد جمة ، منها نظرية ومنها علمية ، بل قالوا إنه من الضروريات الشرعيّة والاجتماعية والأدبية والمادية ، فارجع إلى هذا الفن . ومن الضروري إثبات المواريث التي يتوقف توفيرها لأهلها على ثبوت درجة قرابة الوارث من المورث ، وكذلك الأنكحة والديات في حق العاقلة ، ومما لم يذكره الأوائل في مؤلفاتهم ، وإنما ذكره المتأخرون من علماء الاجتماع ، وإليك ما ذكره الأمير شكيب أرسلان حيث قال : « وكذلك هو ضروري لأجل الدول الراقية المهذبة التي تريد أن تعرف أصول الشعوب التي اشتملت عليها ممالكها ، والخصائص التي عرف بها كل من هذه الشعوب ، يكون أهون لها على تهذيبها وحسن إدارتها ، فكما أن العالم المتمدن يعني بتدريس جغرافية البلدان ، من جهة أسماء البلاد ومواقعها وحاصلاتهم وعدد سكانها ومقدار جباياتها ، فإنه يجب أن يعنى بمعرفة أنساب أولئك السكان وطبائعهم وعاداتهم ، وميزة كل جماعة منهم ، وغير ذلك من المعارف التي لا يجوز أن تخلو منها هيأة بشرية راقية . ولما كان من الحقائق العلمية الثابتة المقررة عند